( عن ورقتي في ندوة أغسطس ، طرابلس 2006 ، الأمازيغية في ليبيا ، واقعٌ و آفاق ) ، نشرت هذه الورقة أيضاً في مجلة ليبيا وطننا الالكترونية .
شيءٌ ما ، يجب أن يقال
( اقطعوا هذه الشعرة )
عبر زمنٍ طويلٍ استقر الفكر القومي بمفهوم وحدة ( العرق ) الخاطئ ، داخل فهم الإنسان الليبي لذاته كوعي ، فكان الخلط بين مفهوم الثقافة و مفهوم العرق بمعناه الجيني ، بأن ألغى هذا الوعي حقيقة تركيبة هويّة الذات الحقيقيّة المتصلة على جوانب عديدة و مستوياتٍ متوازية تصاعدياً ، عبر المكان ، الثقافة و اللسان مجتمعةً مع تجاهل فكرة وحدة أو وجود العرق ، فالتقسيم الذي انتهج ( هنريكو دي ؤغوستين ) في كتابه سكان ليبيا ، كان مبنياً على قناعات المتكلمين بالعرق ، بتقسيم الليبيّين الى بربر ، عرب ، كرغليّة … الخ ، و هذا خطأ لم يقترفه هنريكو عن قصد – ربما – ، بقدر ما كان خطأً في الوعي بالذات لدى الليبيّين مجتمعين ، خطأٌ لا يزال ساري المفعول حتّى اللحظة ، فلا يمكننا بأي شكلٍ من الأشكال في الوقت الحاضر أن نسمح لأنفسنا بالاعتقاد بوجود تفوق أو دونية عرقٍ من الأعراق بالنسبة لعرقٍ آخر ، سواء من وجهة نظر لاهوتية ، حضاريةٍ ، أو أنتروبولوجيّةٍ حداثيّة ، فالحقيقة العلمية تنفي إمكانية التعرّف على مزايا أي عرقٍ من الأعراق الرئيسة ( الأبيض ، الأسود و الأصفر ) ، مزايا هذه الأعراق البيولوجيّة من حيث الكم ، بل و حتّى من حيث الكيف ، فما بالك عند الحديث عن مسميّات عرقيّةٍ وهميةٍ ترسّخت عبر جملةٍ من الصور الوهمية التي خلقها بالدرجة الأولى و داوم على خلقها إعلام السلطة الحاكمة على مرّ العصور ؟ .
إنّ هذا التقسيم الغير علمي يتنافى مع أبسط قواعد البحث التاريخي الأركيولوجي ، فالبحث في بيولوجيا العرق و الصفات المتوارثة الجينية يؤكد لنا عدم وجود عرقٍ محددٍ و نقيٍ يمكن أن نسميه بالعرق البربري أو العربي على أي حالٍ من الأحوال – إلا وفق منطق هتلري وقراءةٍ نازيّة – ، فالأعراق الرئيسيّة و التي يمكن تحديدها بصفاتٍ جينيّةٍ لا جدال فيها نوعاً ما هي ( الأصفر ، الأسود و الأبيض ) ، أمّا عند الحديث عن محيط شمال إفريقيا و الجزيرة العربية خصوصاً باعتبارهما بؤرتي تجمعٍ بدويٍ طارد ، فالقول بوجود إي عرقٍ بحقائق بيولوجية مطلقة محض خرافة لا تكلف سوى وطناً !!.
إن الخطأ الأول في واقع الأمر هو الخلط بين بيولوجيا العرق و المنتج الاجتماعي و النفساني للثقافة و الحضارة الإنسانية ، فالخلط بين الأمرين يجعل الباحث يلج دونما قصدٍ ربّما في دائرةٍ جهنميّةٍ بجملة أخطاء ثقافية عندما يحتكر قيمة الفرد و تبعاً لذلك خصوصيّته الثقافية في أرومته العرقية – و لا نستبعد هنا حسن نيّة الباحث بالتأكيد – ، فالهوية ليست كائناً حراً ، بل هي وعيٌ الإنسان المقيد بـ ( المكان ) ، و هنا نجد أنّ مستويات تكوين الذات و الأنا الرئيسيّة هي :
· المكان ، و يقرأ عبر طوبونومي الوطن .
· الثقافة ، و تقرأ عبر حدود انتشار الموروث الثقافي المعاش .
· اللسان ، و يقرأ عبر تركيبة اللسان المنطوق داخل تكوين الأحكام لا الدلالات فقط .
إذ أنّ المساهمة الثقافية لأي فردٍ كان في الحضارة البشريّة تتّسم بشيءٍ من الخصوصية التي تمنع إحكام صفة عرق الفرد على صبغة الحضارة و الموروث الثقافي ، فالذات خاصّة لا تحكمها الأرومة العرقية التي لا يمكن بأي شكلٍ من الأشكال التأكد من حقيقتها و نقائها ، إذ أنّ الخصوصيّة موجودةٌ في كل شيء ، و هذه الخصوصيّة تعود الى الظروف الجغرافية ، الاجتماعية و التاريخية ( السوسيولوجيّة ) التي تخلق الذات ، و ليست مقيّدة بالتكوين التشريحي أو الفيزيولوجي للعنصر، و هذه الخصوصيّة بدأت في الانحسار باختفاء معالم الخصوصيّة الثقافيّة الليبيّة – بمفهوم الأمازيغيّة الثقافيّة – و التي تنتهي عند حدود السّلوم و تمتد على امتداد الشمال إفريقي ( كموروث الزي ، الأكل ، العادات الاجتماعيّة و طقوس الإحتفال ) ، في وجه حالات الفوضى الثقافية و التي سبّبتها الموجات الثقافية الوافدة ، ابتداءً بالموجة الإسلاميّة السلفية بشكلها الاجتماعي مع تحفظنا على هذا التصنيف و النسب الى السلف – على جانبي شطريها الانهزامي أو الانتقامي – انتهاءً بالموجة التقدّمية الغربيّة بشكلها المستلِب ، أي أن هوية العنصر لا تخلقها أرومته العرقيّة بل التركيبة المحيطة به بالدرجة الأولى ، فلا وجود حقيقيٍ للعرق عند الحديث عن هوية المواطن ، بل يوجد فقط الوطن الذي يمكن التعرّف عليه ببساطة داخل قراءة واقعه الجغرافي و التاريخي عبر لغته التي يتكلم ، و عند الحديث عن الوطني الليبي بالحدود الدولة المتعارف عليها ، نقرأ أسماء الأماكن تتحدث باللغة الليبيّة – الأمازيغيّة – ، ولنا في ذلك مثال مدن و مناطق مسلاّتة ، ترهونة ، مصراتة ، تاورغاء ، ورفلّة ، سرت ، سوف الجين ، جنزور ، ورشفّانة ، غريان ، ككّلة ، يفرن ، مزدة ، الزنتان ، نالوت ، غدامس و فزّان …. الخ ، و لنا أيضاً في تجربة إلغاء اسم جبل نفوسة و تسميته بالجبل الغربي كخطأ اجتماعيٍ شديد الخطورة ، مثالاُ يوضح أهميّة لغة المكان كمركبٍ هويّاتيٍ رئيس .
أي أنّ الإدعاء بوجود علامات وحدةٍ و لو طفيفةٍ خارج حدود الوطن الليبي على اتجاهين متناقضين ، مشرقي إقصائي ، أو مغاربي شمولي ، يبقى محض خدعةٍ من مسلسل الخداع ، فهذه العلامات مجتمعةً تفتقد الى أي عامل من عوامل الوحدة ، خصوصاً عند الحديث عن استهلاك و استغلال قيمة سند الشعور القومي الإيجابي عبر جملةٍ من الرسائل السلبية التي يمرّرها بعض الأصوليّين ، ففي المستويات الثلاث المكوّنة للذات ( المكان ، الثقافة و اللسان ) ، نكتشف أن حدود الخصوصيّة تجعلنا نضطر و بارتياحٍ مفعمٍ بالحيويّة الى اختزال عوامل هذه الوحدة داخل حدود الدولة القطرية ما أمكن ، فمع التسليم بحقيقة عدم وجود ( عرقٍ ) بربريٍ أو عربيٍ بصفاتٍ جينيّةٍ مميّزةٍ ، نجد أن العامل الموحد الرئيس ألا و هو اللغة المنطوقة يحتّم علينا الالتفات ناحية الوطن لا غير ، فلا وجود للغةٍ أمازيغيّةٍ واحدةٍ ، فالحالة الأمازيغيّة مشابهةٌ حدود التطابق و الحالة الإسكندنافيّة، و لا وجود للغةٍ عربيّة حيّةٍ واحدةٍ أيضاً على طرفٍ موازٍ ، بعد اختفاء أحكام اللغة العربية داخل أحكام و قواعد اللغة الأمازيغية ، و انحصار قيمتها
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |